فخر الدين الرازي

210

شرح عيون الحكمة

السؤال الرابع : انه اما أن يقال : حصل في الوجود عدد مخصوص يمتنع اطباقهم على الكذب ، أو يقال : ليس الأمر كذلك . والأول : باطل لأنه لا عدد بعينه الا وحال ذلك العدد نقصان واحد ، أو اثنين ( ونقصان واحد أو اثنين ) مساوى لحاله في جواز الاقدام على الكذب . والثاني : يوجب القدح في التواتر . وذلك لأنه إذا لم يكن شيء من الأعداد المعينة ، له صلاحية ايجاب هذا العلم ، فحينئذ لا ندري أن هذا الاعتقاد الذي حصل في القلب أهو ظن قوى أو علم يقيني ؟ وحينئذ لا يبقى عليه تعويل . السؤال الخامس : هب أن أهل التواتر إذا قالوا : شاهدنا الشيء الفلاني أو سمعنا الكلام الفلاني ، فإنه يفيد العلم بحصوله . اما إذا قالوا : رأينا أقواما أخبروا أنهم رأوا أقواما آخرين أخبروا انهم شاهدوا الشيء الفلاني كاخبارنا عن لأشخاص الماضية في القرون الخالية . فكيف يفيد مثل هذا الخبر علما يقينيا ؟ وذلك لأن هذا الخبر لا يفيد اليقين ، الا ( إذا ) علمنا أن طبقات المخبرين في كل عصر وزمان كان بالغا في الكثرة إلى حد يمتنع اتفاقهم على الكذب . لكن علمنا بأن المخبرين كانوا كذلك ، علم بصفة من صفاتهم ، وبحال من أحوالهم . والعلم بصفة الشيء مشروط بالعلم بذاته . فلما جهلنا ذوات أولئك الماضين ، فكيف يمكننا أن نعلم أنهم بالغين في الكثرة إلى حيث يمتنع اتفاقهم على الكذب . وإذا لم نعلم هذه الصفة لم يكن خبرهم مفيدا للعلم . ومعلوم أن اخبار هؤلاء الحاضرين مفرعة على أخبار أولئك الماضين . فإذا وقع الشك في الأصل ، فكيف يبقى اليقين في الفرع ؟ السؤال السادس : هب أن التواتر يفيد العلم الا أنا توافقنا على أنه ما لم تحصل هذه الشرائط المذكورة ، لم يكن التواتر مفيدا للعلم . واعتبار هذه الشرائط لا سبيل اليه إلا بمحض العقل ، فلو لا « 10 » أن

--> ( 10 ) المؤلف يشير إلى القضية المشهورة في علم الكلام وهي هل العقل أصل النقل ، أم النقل أصل العقل . وقد تحدثنا فيها في مقدمة الكتاب .